عبد الملك الجويني

364

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإن قال : آخذ ما يخصني عند المزاحمة ، لم يكن له ذلك . هذا ظاهر المذهب . 4759 - ولو كان الشفعاء غُيّباً لمّا جرت الصفقةُ ، فلو حضر واحد منهم ، وطلب الشفعةَ ، فله ذلك ، وليقع البناء على ظاهر المذهب فيه إذا حضر ، كما أعدنا المذهب فيه الآن ، فنقول في هذا الآيب الراجع : خذ الشقص بتمامه ، وابذل جميعَ الثمن للمشتري ، ليس لك إلا هذا إن أردت الشفعة . فلو قال : آخذ ما يخصني عند المزاحمة وأترك نصيب صاحبيَّ الغائبين ، لم يكن له ذلك . وللمشتري أن يقول : لا آمن ألا يحضر صاحباك أو يحضرا ولا يرغبا في الشفعة ، فتتبعض الصفقة عليَّ . هذا حكمنا في الأول إذا حضر . فلو أخذ تمام الشقص بتمام الثمن ، ثم رجع الثاني ، فله أن يقول للأول : " أنا وأنت بمثابة واحدةٍ في استحقاق الشفعة ، وعودُ الثالث مغيّبٌ ، قد يكون وقد لا يكون ، فينبغي أن نستوي " ، فهذا الكلام الذي أبداه حق ، ولا بد من إجابته إلى ملتمسه ، فعلى الأول إذن أن يشاطره ، ثم الثاني يبذل نصف الثمن ، ويسترد نصف الشقص . فإذا عاد الثالث وهو على الطّلب ، فإنَّه يأخذ من كل واحد من الأول والثاني ثلثَ ما في أيديهما ، ويبذل مقدار ما يأخذ من الثمن . هذا هو الترتيب في قاعدة المذهب . فلو حضر الأول ، وقال : أنا آخذ نصيبي ، وأتوقف في نصيب صاحبيّ ؛ فإني لو أخذتُ الجميع ، لكان الظاهر أن ينقضا عليَّ . فإذا فرعنا على قول الفور ، وجرينا على ظاهر المذهب الذي جعلناه قاعدة الفصل ، فالمشتري لا يجيبه إلى ما يبغيه من قبض البعض ؛ فإن هذا يفرّق الصفقة عليه في الحال . وهل يُجعل توقف هذا الراجع في أخذ الكل تقصيراً منه مبطلاً لحق شفعته رأساً ؟ فعلى وجهين ذكرهما العراقيون : أحدهما - أنا نجعل هذا التوقف - على قول الفور - مبطلاً لحقه من الشفعة ؛ فإنه يتمكن في الحال من أخذ الجميع ، فتركه ما هو متمكن منه لتوقع أمرٍ - مبطلٌ لحقه . هذا اختيار ابن أبي هريرة . والوجه الثاني - لا يبطل حقه ، وينتصب ما أبداه من توقع استرداد ما يأخذ منه عذراً في التأخير . ثم محل عذره في حق صاحبيه ثلثا الشقص ، والثلث منه يمتنع عليه أخذه